الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
456
المنقذ من التقليد
قلنا : هذا الاعتراف يبطل ما هو أعظم وأرفع درجة من ادّعا النبوّة والبينونة منهم بتأييد من اللّه تعالى ويخلّصهم من المضارّ العظيمة التي دفعوا إليها . وبعد فكلامه وخطبه عليه السلام معروف ، وليس يظهر فيهما ولا في أحدهما ما يقتضي أنّ التفاوت الذي بينه وبينهم في الفصاحة بلغ حدّها بين القرآن وبين كلامهم ، ولو كان القرآن من فعله عليه السلام لظهر في كلامه ما يقاربه ويماثله . أمّا قول السائل : « إنّه تعمّل ذلك في زمان طويل فلم يتمكنوا من معارضته في زمان قصير » فباطل أيضا بما تقدّم ، وهو أنّ هذا السؤال غير متجه على أصحاب الصرفة . وأصحاب الفصاحة يمكنهم أن يقولوا في الجواب عنه : إنّ ما يتعمّل في زمان طويل إنّما يصعب معارضة جميعه في زمان قصير . فأمّا معارضة القليل منه فانّه لا يتعذر في الزمان القصير على مجرى العادة ، فكان يجب أن يعارضوا بعض السور القصار في زمان قصير ، على أنّه كان ينبغي أن يتعمّلوا مثل ذلك في زمان طويل ، حتّى يتأتى منه ما تأتى منه . فإن قيل : شغلهم بالحرب . قلنا : قد ذكرنا أنّه ما كان هناك في نيف وثلاث عشرة سنة . على أنّ الحرب لا يمنع من المعارضة ، لأنّها كلام ، وهو جائز ممكن منهم على جميع الأحوال ، ألا ترى أنّ ما ينقل منهم من الأشعار والارجوزات التي قالوها وأنشئوها في حال الحرب والقتال وعلى أنّ بعد الهجرة لم يكن في جميع الأوقات قتال على طول الزمان ، فكان ينبغي أن يتعمّلوا للمعارضة في الأوقات التي لم يكن فيها حرب . وبعد ، فجميع أعداء النبيّ عليه السلام لم يكونوا محاربين له ، فكان يجب أن يعارضه من ليس بمحارب . فثبت وتقرّر أنّ عدم المعارضة وانتفاءها إنّما كان للتعذّر ، وأنّهم عجزوا عنها ولم يتمكّنوا منها . أمّا أنّ تعذّر المعارضة عليهم كان خارقا للعادة فظاهر ،